السيد كمال الحيدري
317
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
عدا الألفاظ المُترادفة فإنَّ لها معنى عامّاً تلتقي به جميعاً ، ولكل واحد منها خصوصية تُميّزه عن الآخر ، فالألفاظ التالية مثلًا : ( جاء ، حضر ، وصل ، . . . ) ، تُفيد المعنى العامّ الذي يُفيد المجيء والحضور والوصول ، ولكن لكلّ مفردة منها خصوصية خاصّة لا تصدق على الأُخرى ، فخصوصية ( جاء ) هي التحقّق من دون انتظار مُسبق ، أو توقّع لذلك ، وخصوصية ( حضر ) هي عدم الالتفات إلى الانتظار المُسبق ولكنَّ هذا الأمر كان متوقَّعاً ، وخصوصية ( وصَل ) هي الانتظار المُسبق والتوقّع لذلك . إنّ هذه المعاني الدقيقة وإن كانت تحتاج من المُفسِّر بذل مؤونة زائدة ودقّة مُتناهية ، ولكنها لأهمّيتها وأثرها في تعيين الاستعمال الصحيح والدقيق للمفردة القرآنية احتاج الأمر إلى الروية فيها ، علماً بأنَّ هذه الدقّة بالقدر الذي تُلبّي فيه السقف الأمثل من الفهم للقرآن الكريم فإنها تُقدِّم إجابة حقيقية عن سرّ الكثرة فيها تنسجم مع الوجدان القائل بخصوصية كلّ لفظ ، ومن هنا يتّضح لنا وجه آخر لعمق العملية التفسيرية ، وضرورة التخصّص فيه ، بل هي العملية الكبرى التي تحتاج أرفع مستوى من التخصّص الذي لا نحتاجه في أيّ علم آخر . ثانياً : مُراعاة هويّة المفردة في عصر النصّ لابدّ من مُراعاة هويّة المفردة في عصر النصِّ ، ولحاظ خصوصية ثقافة ذلك العصر ، فإنَّ مداليل الألفاظ وإن كانت تتّسم بنوع من الثبات والسُّبات الظاهريين إلا أنَّ هنالك تغييراً نسبياً تُفرزه بقوّةٍ الحقب الطويلة ، وهذا ما يُشكِّل خطورةً حقيقية على فهم المدلول اللفظي الحقيقي الذي نزلت به المفردة ، ولعلَّ كثيراً من التفسيرات العلمية الحديثة قد وقعت في هذه الإشكالية ، مع أنه لا يُوجد منع ابتدائي في تطوّر المعنى ، ولا يوجد منع في